|
كلمة
رئيس
الوزراء السيد نوري كامل المالكي
في مؤتمر الاستثمار في
العراق الذي اقيم في العاصمة البريطانية
الخميس 3-4-2009
السيدات والسادة الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أتقدم بجزيل شكري وامتناني للسيد غوردن براون
ولحكومة المملكة المتحدة على المبادرة الكريمة لأقامة هذا
المؤتمر كما انتهز هذه المناسبة لاتقدم بإسم الحكومة والشعب
العراقي بعظيم شكرنا لحكومة جلالة الملكة والشعب البريطاني على
كل ما قدموه من دعم لحكومه وشعب العراق خلال السنوات التي
اعقبت سقوط النظام السابق.
لقد واجه الشعب العراقي خلال الحقبة
الدكتاتورية نظاما استبداديا مارس ابشع سياسات القمع والاضطهاد
والتمييز والتهميش ، ولم يجن العراقيون على مدى خمسة وثلاثين
عاما سوى الاعدامات والمقابر الجماعية والسجون والحروب
الداخلية التي كان ابشعها استخدام الاسلحة الكيمياوية في مدينة
حلبجة ، الى جانب الحرب مع الجارة ايران وغزوه لدولة الكويت
،وتبنت الجماعات المسلحة والتنظيمات الارهابية ذات النهج
التخريبي الذي اعتمده النظام السابق مما زاد في ضخامة الدمار
والخراب في جميع مؤسسات الدولة والبنى التحتية .
ومن دواعي فخرنا واعتزازنا ان نقول اليوم ان
قوات الجيش والشرطة والاجهزة الامنية وبدعم ومساندة ابناء
الشعب العراقي ، قد تمكنت من انقاذ البلاد من هاوية الحرب
الاهلية التي كانت تستهدف وحدة وسيادة العراق وتمزيق نسيجه
الاجتماعي .
ان نجاحنا في تثبيت الامن والاستقرار يعد مقدمة
في غاية الاهمية لتتسلم قواتنا المسلحة كامل المسؤولية من
القوات متعددة الجنسيات وفق اتفاق سحب القوات الاجنبية الذي
وقعناه مع الولايات المتحدة الاميركية ، كما انه يشكل فرصة
ذهبية لتنشيط الاقتصاد ، فالأمن والازدهار الاقتصادي امران
مترابطان ، فلا يمكن الحديث عن استقرار امني دون تقدم اقتصادي
ينشط حركة السوق ويحقق العدالة في توزيع الثروات ويوفر المزيد
من فرص العمل للعاطلين ، كما لا يمكن الحديث عن تقدم اقتصادي
دون استقرار امني مايعني ان الامن والاقتصاد يجب ان ينالا
نصيبا متساويا من الاهتمام.
ان العراق اليوم دولة ديمقراطية تحترم فيه
الحريات ويحكمها الدستور والقانون وتعتمد مبدأ التداول السلمي
للسلطة على اساس الانتخابات التي خاضها الشعب العراقي اربع
مرات وشهد العالم بنزاهتها وشفافيتها ، وهو يستعد لانتخابات
برلمانية هي الثانية من نوعها ستجري نهاية العام الجاري ، بما
يعزز العملية السياسية وبناء دولة المؤسسات .
ايتها السيدات والسادة :
لقد كان من بين اخطر التحديات التي
واجهناها بعد عام الفين وثلاثة ، التركة الاقتصادية الثقيلة
التي ورثناها من النظام السابق ، فالدولة كانت تحتكر كل شيئ ،
فهي التي تخطط وتنفذ وتنفق وتوظف وتبيع وتشتري في ظل نظام
مركزي شمولي اصبح فيه القطاع الخاص مهمشا ومنعزلا عن التطورات
التي تجري في العالم ،وتوقفت عملية البناء ابان العهد
الدكتاتوري ، فلم تبن مدرسة واحدة ولامستشفى منذ بدايات
الثمانينيات من القرن الماضي .
ومنذ تولينا رئاسة حكومة الوحدة الوطنية عام
الفين وستة ، قررنا وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي كان يمر
بها العراق المضي قدما لاصلاح الاقتصاد الوطني ودعم القطاع
الخاص وتوفير الشروط الضرورية لضمان الانتقال السليم والمدروس
من الاقتصاد المركزي الى اقتصاد السوق الحر الذي يحقق قاعدة
انتاج متنوعة تستطيع تلبية متطلبات التنمية ، اقتصاد منفتح
ومتكامل مع اقتصاديات دول المنطقة بما يحقق الرفاهية والازدهار
لشعبنا.
لقد قطعنا شوطاً كبيراً على طريق الاصلاح
الاقتصادي من خلال ايجاد بيئة تشريعية موآتية للعمل
والاستثمار، فقد تم تشريع حزمة من القوانين من بينها قانون
الاستثمار ونظام الاستثمار ومجموعة اخرى منظمة للفعاليات
الاقتصادية مع التزامنا الثابت بالانفتاح على العالم من خلال
الانضمام الى منظمة التجارة العالمية والاستمرار بتنفيذ
اجراءات من شأنها تبسيط الاليات التعاقدية والمالية ورفع
الحواجز البيروقراطية و الاصلاح المصرفي والانفتاح على البنوك
وبيوت المال والخبرة المصرفية والمالية العالمية وحرية انتقال
الاموال من والى العراق ، وركزنا جهودنا على مكافحة الفساد
المالي والاداري الذي نعتبره الوجه الآخر للارهاب.
إن تطوير القطاع الخاص ليس مطلبا ذاتيا ،إنما
تعبيرا عن ايماننا بأهميته ودوره التاريخي في إحداث تغييرات
هامة في عملية النمو الاقتصادي ومساهمته الفاعلة في الناتج
المحلي الإجمالي،فرجال الأعمال هم المحرك الأساسي للنمو وان
إهمالهم يؤدي إلى حدوث الأزمات الاقتصادية والركود.
إننا نحرص اليوم أكثر من أي وقت مضى على إيجاد
قطاع خاص فاعل ومتميز يلعب دورا رئيسا في الحياة الاقتصادية
،وسنعمل على ازالة العوائق التي تقف دون تطوره وتجديد نشاطه من
اجل ان يساهم في أحداث التحول الاقتصادي المنشود.
ايتها السيدات والسادة :
يعد تنوع المصادر التي تساهم في تكوين الناتج
المحلي الإجمالي احد العوامل المهمة التي تؤمن تحقيق معدلات
معقولة من النمو الاقتصادي وتبعد الاقتصاد عن اثار التقلبات
التي يحدثها الاعتماد على مصدر وحيد للدخل وان تفعيل هذه
المصادر المتمثلة في قطاعات الزراعة والصناعة والإسكان
والخدمات وغيرها من القطاعات الأخرى سيكون له الأثر الفاعل
في التقليل من نسب البطالة وتصحيح الاختلالات الناتجة في ميزان
المدفوعات والميزان التجاري وتقليل التقلبات الخارجية وتخفيض
معدلات التضخم وتجنب الدورات الاقتصادية غير المرغوبة، وانه
بخلاف ذلك سيكون الاعتماد الكلي على عائدات النفط القطاع
الواحد يحمل معه مجموعة من المخاطر.
ان اعادة هيكلة الاقتصاد بات ضروريا وهاما في
طريق الإصلاحات الاقتصادية ، وقد شهد الاقتصاد العراقي
استقرارا ملحوظا في جوانبه النقدية والمالية خلال العامين
الماضيين من خلال استقرار سعر صرف الدينار العراقي امام
الدولار الامريكي وتراجع معدلات التضخم من ثلاثة وخمسين
بالمائة عام الفين وستة الى سبعة فاصلة ستة بالمائة عام الفين
وثمانية ، وإن هذا الانخفاض في معدلات التضخم يؤكد استقرار
الاوضاع الاقتصادية وينعكس بصورة ايجابية على توفير بيئة
استثمارية آمنة تحقق رؤية مستقبلية مبينة على أسس ثابته
ورصينة.
ان حجم وطبيعة الأهداف التي وضعت للسياسة
الاستثمارية يعتمد على حجم الاستثمارات المطلوبة لتطوير البنى
التحتية التي تفوق قدرة الاقتصاد العراقي الذاتية على توفيرها
في الوقت الراهن حيث تقدر حاجة الاقتصاد إلى حوالي مائة وسبعة
وثمانين فاصل سبعة بالمائة مليار دولار للفترة بين الفين
وسبعة إلى الفين وعشرة لمعالجة اثار انخفاض أسعار النفط
وانتهاج سياسة اقتصادية يكون فيها للقطاع الخاص دورا متميزا .
لقد حافظ الاقتصاد العراقي على توازنه خلال
العام الحالي على الرغم من التغيرات التي طرات على الاقتصاد
العالمي وانخفاض اسعار النفط بدرجة كبيرة بسبب الازمة المالية
العالمية من خلال اليات وترتيبات اتخذتها الحكومة لمواجهة هذه
الازمة وهو الامر الذي يطمئن المستثمرين في الدخول الى السوق
العراقية، ان اختصار الزمن ضروري جدا لتعويض سنوات الحرمان
التي عاشها الشعب العراقي طيلة خمسة وثلاثين سنة ولتوقف ماكنة
البناء والاعمار منذ عشرات السنين.
ان الحكومة العراقية التي تسعى لتطوير وانشاء
المناطق الاستثمارية والصناعية والتنموية والمدن الاقتصادية
لاستقبال الشركات العالمية جادة بالتعاون مع مختلف المنظمات
الدولية مثل منظمة الامم المتحدة ، ومنظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية ، والاتحاد الاوربي الى جانب التعاون الثنائي مع دول
العالم ورغبتنا الاكيدة بالتعاون وفتح الابواب امام
المستثمرين الراغبين في دخول السوق العراقية.
ايها الحضور :
اننا في الوقت الذي نتجه فيه لتنويع مصادر
الدخل وعدم الابقاء على حالة الاعتماد شبه الكلي على الموارد
النفطية ،وفتح الابواب امام الاستثمارات الاجنبية المباشرة و
تمكين القطاع الخاص العراقي من اداء دور متزايد في النشاط
الاقتصادي ، نعمل جاهدين على تطوير الصناعة النفطية العراقية
بما يتناسب وحجم احتياطيات النفط والغاز الكبيرة التي يمتلكها
العراق والحجم الكبير للاحتياجات المالية ، والحاجة لتحسين
الخدمات وتشغيل الايدي العاملة مع شعورنا بالمسؤولية تجاه
العالم للمساهمة بتوفير امدادات نفطية وغازية مع رغبتنا في
استقرار الاسواق العالمية وسيادة اسعار منصفة للمنتجين
والمستهلكين على السواء ، ونتطلع ان تؤدي شركات النفط والغاز
البريطانية دوراً كبيراً في تطوير الصناعة النفطية
والاستخراجية في العراق.
نؤكد لكم ان حكومة الوحدة الوطنية ملتزمة بخلق
مناخ استثماري جاذب للاستثمارات الاجنبية المباشرة واننا ماضون
في اتخاذ جميع الاجراءات بما في ذلك استكمال الاصلاح التشريعي
لتوفير المزيد من الحوافز والضمانات،وان العراق بما يمتلك من
الموارد الطبيعية والامكانيات البشرية من كفاءات وخبرات
وطاقات علمية ماتكفي لاطلاق مشروع نهضوي كبير بعد ازالة
العقبات المتمثلة بالفساد المالي والاداري والبطالة والارهاب
واعباء الديون.
لقد حرصت الحكومة على تنشيط الاقتصاد من خلال
تأسيس الهيئة الوطنية للاستثمار وتقديم مشروع قانون الاستثمار
الذي اقره مجلس النواب، ويفسح هذا القانون المجال امام
الاستثمارات الوطنية والاجنبية، وبما يساعد في تطوير الاقتصاد
العراقي وتوفير فرص عمل كبيرة للمواطنين والمساعدة على اعادة
اعمار البنى التحتية ، كما قدمت الحكومة مشروع قانون النفط
والغاز الى مجلس النواب ، ومن شأن المصادقة عليه ضمان توزيع
الثروات بشكل عادل على جميع محافظات العراق، وبما يحقق
التنمية الاقتصادية والتطور في المجالات كافة .
أنني ، من على هذا المنبر اعرض بإسم شعب العراق
وحكومته، شراكة مع الاصدقاء الراغبين للعمل معنا ، شركات النفط
والغاز،شركات الخدمات النفطية، شركات المقاولات والتجهيز
والشركات الهندسية والمستثمرين وبيوت المال والمصارف ومؤسسات
التنمية للاستفادة من الفرص الكبيرة في السوق العراقية
الواعدة وستجدون شعب العراق ، شعبا صديقاً ومضيافاً ومحباً
للخير والتقدم.
شكرا لحضوركم ونتمنى ان نلتقيكم في بغداد .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نوري كامل المالكي
رئيس وزراء جمهورية
العراق
|