كلمة رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي في جلسة مجلس النواب بمقر الحكومة 9 آذار 2019

   

 

   
 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9- اذار - 2019


بسم الله الرحمن الرحيم
(ولابتغِ الفساد في الارض إن الله لايحب المفسدين )
صدق الله العلي العظيم


"ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي .."
فخامة السيد رئيس الجمهورية المحترم
سيادة رئيس مجلس النواب المحترم
السادة نواب رئيس مجلس النواب المحترمين
سيادة رئيس مجلس القضاء الأعلى المحترم
السيدات والسادة نواب مجلس النواب المحترمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
انه لمن دواعي سروري ان نجتمع اليوم في هذه القاعة المهيبة وتجتمع السلطات الثلاث في الفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب الموقر الذي يعتبر محور نظامنا السياسي وبلدنا حسب الدستور نظامه برلماني، للناقش ونستعرض مجهودات ملف مهم كمكافحة الفساد تلك الآفة التي ما فتئت تضرب بلادنا،
وادراكا لخطورتها وتأثيرها المدمر على التنمية والاستثمار ومحاربة الفساد وإنهاء الفوضى فقد خطونا اشواطا لتعزيز اجراءات نعتقد انها ستعزز النزاهة ومكافحة الفساد.
ايتها السيدات ايها السادة.. لايخفى عليكم حجم وتداعيات هذه الظاهرة الخطيرة التي ما فتئت تنخر بمؤسسات الدولة وعطلت التنمية والاعمار بشكل ملحوظ وساعدت على نمو الارهاب وانتشاره، هذه الظاهرة جاءت نتيجة لتراكم مسبباتها منذ العقود السابقة والحصار الاقتصادي وآثار الحروب المدمرة وسوء الادارة وبعض السياسات الخاطئة التي اتبعت ، واستنادا لمسؤولياتنا الدستورية فقد شرعنا باتخاذ مجموعة من الخطوات بارادة صادقة وجادة من شأنها تعزيز مفهوم النزاهة ومكافحة الفساد على جميع الاصعدة.
لقد خطونا عدة خطوات على الصعيد الوقائي، اي منع الفساد وعلى الصعيد الردعي، اي مكافحته، ويمكن ايجاز هذه الخطوات بما يأتي دون الاستغراق في التفاصيل :-
اولا – تقديم الدعم للاجهزة الرقابية خصوصا هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وتقديم العون الفني والمالي لها سواء باستكمال متطلبات اعمالها او الاطار القانوني لعملها او المؤسساتي او تقييم ادائها واعادة مراجعة سياساتها بما يتناسب ومتطلبات المرحلة الراهنة .
ثانيا – اعداد الخطط اللازمة لاستكمال بناء المنظومة القانونية لعملية منع الفساد ومكافحته.
ثالثا- تكليف الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة بإعداد السياسات ووضع برامج وخطط عمل لمدة تسعين يوما لابرز اولوياتها التنموية والإعمارية ورصد النتائج وتقييمها من خلال الاجهزة الرقابية لتحدد بوضوح الادوار والمسؤوليات والتقصير للوزارة او الجهة غير المرتبطة بوزارة .
رابعا – الشروع بإعداد استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد تشترك فيها مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام وهي استراتيجية شاملة عامة واقعية قابلة للقياس محددة لابرز الاولويات والاهداف والظواهر وبيان الإجراء المقتضب ازاء كل ظاهرة تتضمن المعالجات وضمن مواقيت ضربت سلفا، ونعتقد ان الاخوة في ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة على وشك تقديم المسوّدة الاولية وايضا هنالك دعوة للسادة اعضاء مجلس النواب للمشاركة في إعداد هذه الاستراتيجية .
خامسا – شرعنا في إعداد معايير للنزاهة وقياس الأداء الحكومي في كل وزارة وتشكيل واطلقنا عليه المؤشر الوطني للنزاهة وهذه اداة فاعلة لقياس مدى التزام الوزارات والتشكيلات بالمعايير في سياستها وبرامجها ،وبالتالي تمكننا من مساءلة ومحاسبة القائمين على ادارة الوزارات والتشكيلات على القصور والتلكؤ في انجاز المطلوب .
سادسا – شرعنا بتنفيذ الخطط الكفيلة بشأن استرداد الممتلكات والاموال العراقية المنهوبة في الخارج ونبذل جهودا طيبة في التعاون والتواصل مع الدول التي نعتقد بوجود هذه الاموال لديها وهناك مؤشرات على الاستجابة الدولية وان كانت تتسم بالبطء لان الموضوع يدخل في الجانب السيادي للدول وطبقا لانظمتها القانونية .
سابعا – سبق ان استكملت الاجراءات بشأن تفعيل من أين لك هذا ،واودع قانون الكسب غير المشروع لدى مجلسكم الموقر ونعتقد انه يلبي الحد الادنى لمتطلبات مكافحة الفساد ويؤسس لخطوات اكثر فاعلية لاقتفاء وتتبع اثر الاموال المتحصلة من جراء الفساد والتربح من المال العام في الخارج.
ايتها السيدات ايها السادة .. لقد اعدنا تفعيل المجلس الاعلى لمكافحة الفساد فهو ليس بدعة وانما هو امتداد لعمل المجلس الذي تشكل عام 2007 تحت مسمى المجلس المشترك لمكافحة الفساد ومن ثم اطلق عليه تسمية المجلس التنسيقي المشترك لمكافحة الفساد في مرحلة لاحقة ،
ان هذا المجلس يتولى التنسيق بين اجهزة مكافحة الفساد لضمان توزيع الادوار وتفعيل جهودها ،وانه يوحد جهود واجراءات مكافحة الفساد عبر التنسيق بين السلطة التنفيذية والتشريعية و يتولى إعداد السياسات الناجعة لعملية مكافحة الفساد وانهاء التقاطعات الموجودة بين دوائرها وينظم وينسق في عمل كل هذه المؤسسات ليكون الناتج سياسة موحدة ومنسقة لمكافحة الفساد .
ان الاساس القانوني للمجلس هو مانصت عليه المادة الخامسة من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد والتي صادق عليها العراق بموجب القانون رقم 35 لسنة 2007 اذ الزمت الدول بوضع وتنفيذ وترسيخ سياسات فعّالة منسقة لمكافحة الفساد وتعزيز مشاركة المجتمع المدني والإعلام وتجسيد مبادئ سيادة القانون، وان المجلس ليس بديلا عن الاجهزة والمؤسسات الدستورية والقانونية .
وعلى صعيد التحقيق فلدينا رؤية وسياسة اعدّت للسير باجراءات اكثر فاعلية ونجاح لعملية مكافحة الفساد من خلال اختراق منظومة الفساد وتشخيص الخلل وسد الثغرات وتفكيك المنظومة وتعريتها وملاحقتها بدءا بملف العقارات والاجراءات مستمرة فيه وستتضح معالم المخرجات بهذا الشأن في القريب العاجل إن شاء الله ، كما بدأنا بملف تهريب النفط والمنافذ الحدودية والضرائب والاعمار والتنمية في المحافظات المحررة من عصابات داعش الارهابية خصوصا محافظة نينوى وسيكون هنالك ملف مهم وكبير في هذ الشأن وفي عموم المحافظات بعد ان حددنا المشاريع المتلكئة وبعد ان حددنا مصادر الفساد فيها وغير ذلك من ملفات .
لدينا خطط موضوعة للتصدي لابرز مظاهر الفساد وبنفس الوتيرة لدينا البصيرة بعدم ايقاف عملية الاستثمار والاعمار نتيجة اجراءات ملاحقة الفساد كما اننا وضعنا سياسة تبعث على الاطمئنان للقائمين على ادارة ومتابعة مشاريع الاعمار في البلاد بان الدولة لاتستهدف جهود واجراءات الاعمار .
ايتها السيدات ايها السادة .. بين الحين والآخر يثار الحديث هنا وهناك حول مسألة مكاتب المفتشين العموميين وهذه المكاتب مؤسسة بموجب الامر 57 لسنة 2004 بوصفها احد الاجهزة الرقابة واحدى الاذرع الرئيسية لاكمال متطلبات منع الفساد ومكافحته واجتهدت في عملها وفق اليات ومحددات كانت هي والاجهزة الرقابية الاخرى قد وضعتها وربما سجلت نجاحا في بعض المخرجات واخفقت في مخرجات اخرى وربما التحديات القانونية لعملها وعمليات الرقابة وعدم وضوح الرؤية لبعض سياسات عمل المكاتب ساهمت في كبوة بعض المكاتب، اضافة الى اسباب اخرى لامجال لذكرها الآن .
ان المجلس الاعلى لمكافحة الفساد اعدّ سياسة واضحة ونعتقد ان الفترة القريبة القادمة ستشهد تطورا في اداء المكاتب سواء على الجانب القانوني او على مستوى المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقها.
لقد شرعنا في اصلاح منظومة المكاتب وتطويرها بدءا من ضمان حسن اختيار الاشخاص الاكفاء والاقوياء والامناء على وفق القوانين والضوابط وتحديد السياسة الرقابية لعمل المكاتب بما يجعلها مؤسسة فاعلة كفوءة تعمل على المساهمة في مكافحة الفساد بما يضمن الحفاظ على المال العام من التجاوز وتربح الغير منه ، وفي ذات السياق ضمان عدم التدخل بالسياسة التنفيذية للوزارة او التشكيل وعدم تعطيل مشاريع الاعمار او التنمية ، فمهمة الحفاظ على المال العام هو ديدن سياستنا وفي ذات الوقت نحرص على الحفاظ على كرامة وآدمية الموظف من الاكاذيب والافتراءات، ولدينا خيارات عديدة ازاء هذه المكاتب سواء ماتمثل بالاطارالقانوني واجراء التدخل التشريعي لهذه المكاتب او ضمن اطار العمل على دراسة وتقييم اداء المكاتب وتصويب عملها بما يتناسب وحجم التحديات في المرحلة الراهنة .
من المفيد اعطاء الوقت والفرصة لهذه المكاتب للعمل بروح الفريق الواحد مع المنظومة الرقابية ليصار لاحقا الى تقييم عملها ليكون القول بجدوى عمل المكاتب من عدمه ضمن مشروع مكافحة الفساد مؤسسا على معايير وتقارير فنية من جهات متخصصة.
ايتها السيدات ايها السادة .. ان قضية مكافحة الفساد قضية دولة وشعب وينبغي علينا جميعا ان نسعى سريعا الى السير بالاجراءات والخطط الموضوعة وسنصل بعون الله الى نتائج مرضية،
لطالما نعمل بعقل منفتح وقلب مؤمن وسنحرص في المجلس الاعلى لمكافحة الفساد على تزويد مجلسكم الموقر بالتقارير الدورية لاعمال المجلس الاعلى لمكافحة الفساد ،وارجو من الجميع ممارسة دوره ومسؤولياته بهذا الشأن.
الفساد ليس حالة جديدة وهو في تنامي مستمر، برز منذ فترة طويلة، والفساد اليوم قد يكون اخطر من داعش، فداعش قوة خارجية والفساد قوة داخلية وماهو داخلي قد تكون من الصعوبة محاربته بحيث نحتاج احيانا الى قطع اجزاء من جسدنا لكي نزيل هذا الورم الذي حل بمؤسساتنا بل حل حتى بمجتمعنا، والفساد في نظرنا ليس الفساد الفردي فقط لكن ماهو اهم منه هو فساد المنظومات.
وهنالك امر آخر له علاقة بمجلسكم الموقر وهو قِدم التشريعات والقوانين وتراكمها، وهناك العديد من التشريعات التي تتضارب فيما بينها مما يتطلب توحيد هذه المشاريع لكي تكون هنالك خلفية واحدة مشتركة ،
اليوم نظامنا نظام ديمقراطي حر وفيه اعلام حر ولم يعد كما كان سابقا نظاما قمعيا بحيث ان الفساد موجود فقط في القمم والاستبداد يستولي على كل شيء ويحرم الشعب من كل شيء، اليوم هناك حالة من الحرية ومن ابداء الرأي والتعبير في الفضائيات والمواقع وغالبا ما تدخل هذه الامور كلها وتحدث حالة من الفوضى تساهم في تشويش الصورة بل تساهم احيانا في اخفاء المفسدين الحقيقيين دون ان ينكر ان احيانا لها دور مهم في الكشف عن البعض منهم.
هناك واقع حقيقي في العراق يقود الى الفساد، واستطيع ذكر ثلاثة امور مهمة قائمة اليوم في مجتمعنا تقود اساسا الى تعميق الفساد ومن دون معالجتها سيصعب معالجة الفساد فقط عبر القوانين والاجراءات القضائية..
وهي ان العملة المتداولة اليوم هي عملة ورقية وهذه من اهم عوامل الفساد وسيصعب ملاحقة الفساد اذا لم نسيطر على العملة الورقية ونتحول الى العملة الرمزية والالكترونية التي يسهل التعامل فيها ،فمعظم الدول التي عانت من الفساد كانت الخطوة الاولى فيها هي بالتحول الى العملة الرمزية والالكترونية التي من السهل ضبط حركتها ومن السهولة ضبط المرتشين فيها ،
لدينا اليوم ما يقارب الاربعة والثلاثين ترليون دينار عراقي سائبة في الاسواق وهذه مسألة خطيرة تهدد الاقتصاد الوطني من جهة وتفتح الباب واسعا من جهة اخرى لان يجد الفساد ادوات حقيقية للقيام بعمله، لذلك فان من اهم مشاريع محاربة الفساد هو توطين الرواتب وتقوية النظام المصرفي، فمن دون توطين الرواتب والبقاء على العملة الورقية سيكون من الصعب محاربة الفساد، فغالبا ما يتحول المدعي الى مدعى عليه والشاهد الى متهم وهذه مسألة خطيرة لان غالبا وعندما يفتح ملف تثار شبهات كثيرة حول المدعي او حول القضية الموجودة مما يقود بالفعل الى تشويش الصورة ما يقود الى تحول المدعي الى مدعى عليه والشاهد الى متهم .
المواطن يجب ان يكون شريكا اساسيا في محاربة الفساد وهذا جزء من برنامج هيئة النزاهة، وهناك ملف كامل في هذا الموضوع.
بخصوص خارطة الفساد فيمكن الكلام عن مصدرين رئيسيين للفساد..
الاول في اموال الدولة والثاني في المال العام او في الاقتصاد الوطني
وفي اموال الدولة فقد ذكرنا مسألة توطين الرواتب، فمعظم الموازنة التشغيلية بحاجة الى مراجعة وقد بدأنا بالفعل بإعداد موازنة 2020 وهي موازنة الاداء والمشاريع،
فموازنة البنود بالإمكان ادراج الكثير من الفساد فيها وموازنة الاداء والمشاريع من شأنها ان تحدد لكل بند ولكل وزارة ولكل وحدة مالية وتقوم بوصف دقيق لهذه الوزارات وهذه الدوائر بحيث سيصعب الخروج عن الضوابط الحقيقية لمنع الفساد.
في الموازنات الاستثمارية وفي العقود وغيرها نحن نذكر ان وزارة التخطيط قدمت اكثر من تسعة آلاف مشروع متلكئ ومتوقف منذ عام 2004 ولحد اليوم وقيمتها اكثر من ثلاثمائة مليار دولار وهذا مصدر مهم بكل تفاصيله في مسألة الفساد.
وعلى سبيل المثال في الهيئة الوطنية للاستثمار هناك اثنين وثلاثين مشروعا متوقفا بسبب عدم توقيع عقد الارض او تسليمها او بسبب المتجاوزين على الارض او اسباب اخرى، ومجموع قيمة هذه المشاريع اكثر من ثمانية عشر مليار دينار.
وفي المحافظات هناك اكثر من مئتين واربعة وسبعين مشروعا متلكئا ايضا لاسباب تتعلق بالفساد وقيمتها اكثر من اثني عشر مليار دولار، وهنالك سبعمائة وستة مشاريع ممنوحة فيها اجازات استثمارية لكنها متوقفة وقيمتها اربعة وعشرون مليار دولار .
نحن قررنا ان نفتح كل ملف من ملفات الفساد وهو ملف متكامل فيه كل التفاصيل والآليات وبعض الاشخاص وتشترك الكثير من المؤسسات الامنية والتدقيقية لملاحقة هذا الملف بالذات ولدينا الآن ثلاثون ملفا يفتح لتهريب النفط والعقارات والاموال والمنافذ الحدودية ومنافذ العملة والسيطرات الرسمية وغير الرسمية والمكاتب الاقتصادية في المحافظات والوزارات والاتجار بالبشر والزراعة وتسجيل السيارات والاقامة وسمات الدخول والايدي العاملة والعملة الاجنبية والكهرباء والبطاقة الوطنية والادوية والسلف المالية المصروفة بدون غطاء وبيع المناصب وتهريب الحديد والامتحانات وبيع الاسئلة والمشاريع الوهمية والقروض المالية وشبكة الاتصالات والانترنت والهواتف والإعلام والمواقع وشبكات التواصل والنازحين، وسوء التصرف في هذه الملفات.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 

 


المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء
9 - اذار - ٢٠١٩